مؤسسة آل البيت ( ع )

180

مجلة تراثنا

نقدر على الفرض أن رسول الله - صلى الله عليه وآله - ها هو أمام كل مسلم من أمته يراه بعينه ويسمعه بإذنه قائلا له : " لا تدع تمثالا إلا طمسته ، ولا قبرا مشرفا إلا سويته " بناء على صحة كل ما ورد في الصحيحين - البخاري ومسلم إذ هذا الفرض - وإن كنا لا نقول به - ولكن نجعله من الأصول الموضوعة بيننا - أعني به ما هو فصل النزاع وقاطع الخصومة - ومعلوم أن المتخاصمين إذا لم يكن فيما بينهما أصول موضوعة ينتهون إليها ، ويقفون عندها ، لا تكاد تنهي سلسلة النزاع بينهما والتخاصم طول الأبد ، وعمر الدهر ، إذا فنحن على سبيل المجاراة والمساهلة مع الخصم نقول بصحة ذلك الحديث ، كما يلزمنا معا أن نقول بصحة غيره من أحاديث الصحيحين فها هو النبي - صلى الله عليه وآله - يقول : " لا تدع قبرا مشرفا إلا سويته " ، كما رواه مسلم ، - ولكنه يقول حسب روايته أيضا : " فزوروا القبور فإنها تذكر الموت . . . " ، و " استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي " . . . وقد زار هو قبور البقيع . . . وفي البخاري عقد بابا لزيارة القبور وحينئذ - فهل هذه الأحاديث متعارضة متناقضة ؟ ! النبي الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى يأمر بهدم القبور . . . ويأمر بزيارتها . . . يأمر بهدمها ثم هو يزورها . . . فإن كان المقام من باب تعارض الأحاديث واختلاف الروايات وجب الجمع بينهما لا محالة ، على ما تقتضيه صناعة الاجتهاد ، وطريقة الاستنباط ، وقواعد الفن المقررة في الأصول ، بحمل الظاهر على الأظهر ، وتأويل الضعيف من المتعارضين وصرفه إلى المعنى الموافق للقوي ، فيكون القوي قرينة على التصرف في الضعيف ، وإرادة خلاف ظاهره منه كما يعرفه أرباب هذه الصناعة ، فهل المقام من هذا القبيل ؟ ! كلا ثم كلا ، ومهلا مهلا : إن هذه الساقية ليست من ذلك النبع ، وتلك القافية ما هي من ذلك السجع ، وليس المقام من باب التعارض كي يحتاج إلى التأويل والجمع . ما كنت أحسب أن أدنى من له حظ من فهم التراكيب العربية